فصل: تفسير الآيات (51- 52):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآية رقم (50):

{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)}
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر} بيان لسبب التنجيةِ وتصويرٌ لكيفيتها إثرَ تذكيرها وبيانُ عِظمِها وهولِها وقد بَيّن في تضاعيف ذلك نعمةً جليلةً أخرى هي الأنجاءُ من الغرق أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم كقوله تعالى: {تَنبُتُ بالدهن} أو بسبب إنجائكم وفصَلْنا بين بعضِه وبعضٍ حتى حصلت مسالكُ، وقرئ بالتشديد للتكثير لأن المسالك كانت اثني عشَرَ بعدد الأسباط {فأنجيناكم} أي من الغرق بإخراجكم إلى الساحل كما يصرِّح به العدولُ إلى صيغة الإفعال بعد إيرادِ التخليصِ من فرعون بصيغة التفعيل وكذا قولُه تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ} أريد فرعونُ وقومُه وإنما اقتُصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم وقيل: شخصُه كما روُي أن الحسن رضي الله عنه كان يقول: اللهم صل على آل محمدٍ أي شخصِه واستُغنى بذكره عن ذكر قومه {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} ذلك أو غرقَهم وإطباقَ البحر عليهم أو انفلاقَ البحر عن طرق يابسةٍ مذللة أو جثثَهم التي قذفها البحرُ إلى الساحل أو ينظرُ بعضُكم بعضاً.
روي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسريَ ببني إسرائيلَ فخرج بهم فصبحهم فرعونُ وجنودُه وصادفوهم على شاطىء البحر فأوحى الله تعالى إليه أن اضرِبْ بعصاك البحر فضربه بها فظهر فيها اثنا عشر طريقاً يابساً فسلكوها فقالوا: نخاف أن يغرَقَ بعضُ أصحابنا فلا نعلم ففتح الله تعالى فيها كُوىً فتراءَوْا وتسامعوا حتى عبروا البحرَ فلما وصل إليه فرعونُ فرآه منفلقاً اقتحمه هو وجنودُه فغشِيَهم ما غشيهم. واعلم أن هذه الواقعة كما أنها لموسى معجزةٌ عظيمة تخِرُّ لها أطُمُ الجبال ونعمةٌ عظيمة لأوائل بني إسرائيلَ موجبةٌ عليهم شكرَها كذلك اقتصاصُها على ما هي عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزةٌ جليلةٌ تطمئن بها القلوبُ الأبية وتنقاد لها النفوس الغبية موجبةً لأعقابهم أن يتلقَّوْها بالإذعان فلا تأثرت أوائلُهم بمشاهدتها ورؤيتها ولا تذكرت أواخرُهم بتذكيرها وروايتها فيا لها من عصابة ما أعصاها وطائفةٍ ما أطغاها.

.تفسير الآيات (51- 52):

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)}
{وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} لما عادوا إلى مصرَ بعد مهلك فرعونَ وعد الله موسى عليه السلام أن يعطيه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القَعْدة وعشرَ ذي الحِجة وقيل: وعد عليه السلام بني إسرائيلَ وهو بمصر إن أهلك الله عدوَّهم أتاهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بيانُ ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصومِ ثلاثين وهو شهرُ ذي القعدة ثم زاد عشراً من ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غُررُ الشهور وصيغة المفاعلة بمعنى الثلاثي وقيل: على أصلها تنزيلاً لقبول موسى عليه السلام منزلةَ الوعدِ و{أربعين ليلةً} مفعول ثانٍ لواعدنا على حذف المضافِ أي بمقام أربعين ليلةً وقرئ {وعَدْنا} {ثُمَّ اتخذتم العجل} بتسويل السامري إلهاً ومعبوداً وثم للتراخي الرتبي، {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد مشْيِه إلى الميقات على حذف مضاف {وَأَنتُمْ ظالمون} بإشراككم ووضعِكم للشيء في غير موضعِه وهو حالٌ من ضمير اتخذتم أو اعتراضٌ تذييليّ أي وأنتم قومٌ عادتُكم الظلم.
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ} حين تبتم، والعفوُ محوُ الجريمة من عفاه درَسه وقد يجيء لازماً قال:
عرفتُ المنزلَ الخالي ** عفا من بعد أحوالِ

عفاه كلُّ هتان ** كثيرِ الوَبْل هطّالِ

وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ ذلك} أي من بعد الاتخاذ الذي هو متناهٍ في القُبح للإيذان بكمال العفو بعد تلك المرتبة من الظلم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكي تشكروا نعمةَ العفو وتستمرّوا بعد ذلك على الطاعة.

.تفسير الآيات (53- 54):

{وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)}
{وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان} أي التوراةَ الجامعةَ بين كونِها كتاباً وحُجةً تفرق بين الحق والباطلِ وقيل: أريد بالفرقان معجزاتُه الفارقةُ بين الحق والباطل في الدعوى أو بين الكفر والإيمان، وقيل: الشرعُ الفارقُ بين الحلالِ والحرام أو النصرُ الذي فرّق بينه وبين عدوِّه، كقوله تعالى: يوم الفرقان يريد به يومَ بدر {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكي تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ} بيانٌ لكيفية وقوعِ العفو المذكورِ {ياقوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل} أي معبوداً {فَتُوبُواْ} أي فاعزِموا على التوبة {إلى بَارِئِكُمْ} أي إلى مَنْ خلقَكم بريئاً من العُيوب والنقصان والتفاوت وميّز بعضَكم من بعض بصور وهيئات مختلفة، وأصلُ التركيب الخلوصُ عن الغير إما بطريق التقصي كما في برِىء المريضُ أو بطريق الإنشاء كما في بَرَأ الله آدم من الطين والتعرض لعنوان البارئية للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها حيث تركوا عبادةَ العليمِ الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمتِه بريئاً من التفاوت والتنافُرِ إلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة، وأن من لم يعرِفْ حقوقَ مُنعِمِه حقيقٌ بأن تُستردّ هي منه ولذلك أُمروا بالقتل وفك التركيب {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} تماماً لتوبتكم بالبَخْع أو بقطع الشهوات، وقيل: أُمروا أن يقتُلَ بعضُهم بعضاً وقيل: أُمر من لم يعبد العجل بقتل مَنْ عَبَده. يروى أن الرجلَ كان يرى قريبَه فلم يقدِرْ على المُضِيِّ لأمر الله تعالى فأرسل الله ضَبابةً وسحابة سوداءَ لا يتباصَرون بها فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارونُ عليهما السلام، فكُشفت السحابةُ ونزلت التوبةُ وكانت القتلى سبعين ألفاً، والفاء الأولى للتسبيب والثانية للتعقيب {ذلكم} إشارة إلى ما ذكر من التوب والقتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} لما أنه طُهرةٌ عن الشرك ووَصْلةٌ إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} عطفٌ على محذوف على أنه خطابٌ منه سبحانه على نهج الالتفاتِ من التكلم الذي يقتضيه سياقُ النظم الكريمِ وسياقه فإن مبنى الجميعِ على التكلم إلى الغَيْبة ليكون ذريعة إلى إسناد الفعلِ إلى ضمير بارئِكم المستتبع للإيذان بعلّية عنوانِ البارئية والخلق والإحياءِ لقبول التوبة التي هي عبارةٌ عن العفو عن القتل، تقديرُه فعلتم ما أمرتم به فتابَ عليكم بارئُكم وإنما لم يقل فتابَ عليهم على أن الضميرَ للقوم لما أن ذلك نعمةٌ أريد التذكيرُ بها للمخاطبين لا لأسلافهم هذا وقد جوز أن يكون فتاب عليكم متعلقاً بمحذوفٍ على أنه من كلام موسى عليه السلام لقومه تقديرُه إن فعلتم ما أُمِرْتم به فقد تاب عليكم ولا يخفى أنه بمعزلٍ من اللَّياقة بجلالة شأنِ التنزيلِ، كيف لا وهو حينئذ حكايةٌ لوعد موسى عليه السلام قومَه بقَبول التوبةِ منه تعالى لا لقبوله تعالى حتماً، وقد عرفتَ أن الآيةَ الكريمةَ تفصيلٌ لكيفية القبول المحكيِّ فيما قبل وأن المراد تذكيرُ المخاطبين بتلك النعمة.
{إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} تعليل لما قبله أي الذي يُكثر توفيقَ المذنبين للتوبة ويبالِغُ في قبولها منهم وفي الإنعام عليهم.

.تفسير الآيات (55- 57):

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)}
{وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى موسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} تذكيرٌ لنعمة أخرى عليهم بعد ما صدر عنهم ما صدر من الجناية العظيمةِ التي هي اتخاذُ العجل أي لن نؤمنَ لأجل قولِك ودعوتِك أو لن نُقرَّ لك، والمؤمَنُ به إعطاءُ الله إياه التوراةَ أو تكليمَه إياه أو أنه نبيٌّ أو أنه تعالى جعل توبتَهم بقتلهم أنفسَهم {حتى نَرَى الله جَهْرَةً} أي عياناً وهي في الأصل مصدرُ قولِك جهَرتُ بالقراءة، استُعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشافِ، إلا أن الأولَ في المسموعات والثاني في المُبْصَرات ونصبُها على المصدرية لأنها نوع من الرؤية أو حالٌ من الفاعل أو المفعول وقرئ بفتح الهاء على أنها مصدر كالغَلَبة أو جمعٌ كالكَتَبة فيكون حالاً من الفاعل لا غير، والقائلون هم السبعون المختارون لميقات التوبةِ عن عبادة العجل، روُي أنهم لما ندِموا على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفرْ لنا لنكونن من الخاسرين، أمر الله موسى عليه السلام أن يجمع سبعين رجلاً ويحضُرَ معهم الطورَ يُظهرون فيه تلك التوبةَ فلما خرجوا إلى الطور وقع عليه عمودٌ من الغمام وتغشاه كله فكلم الله موسى عليه السلام يأمره وينهاه، وكان كلما كلّمه تعالى أوقع على جبهته نوراً ساطعاً لا يستطيع أحدٌ من السبعين النظرَ إليه وسمِعوا كلامَه تعالى مع موسى عليه السلام افعل ولا تفعل فعند ذلك طمِعوا في الرؤية فقالوا ما قالوا كما سيأتي في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى وقيل: عشرة آلاف من قومه {فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة} لفرط العنادِ والتعنّتِ وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسامَ وتتعلق به الرؤيةُ تعلُّقَها بها على طريق المقابلة في الجهات والأحياز، ولا ريبَ في استحالته إنما الممكنُ في شأنه تعالى الرؤيةُ المنزهة عن الكيفيات بالكلية وذلك للمؤمنين في الآخرة وللأفرادِ من الأنبياء الذين بلغوا في صفاء الجوهر إلى حيث تراهم كأنهم وهم في جلابيبَ من أبدانهم قد نَضَوْها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس في بعض الأحوال في الدنيا. قيل: جاءت نارٌ من السماء فأحرقتهم وقيل: صيحة وقيل: جنودٌ سمعوا بحسيسها فخرّوا صعِقين ميتين يوماً وليلة. وعن وهْبٍ: أنهم لم يموتوا بل لما رأَوْا تلك الهيئة الهائلةَ أخذتهم الرعدةُ ورَجَفوا حتى كادت تبِينُ مفاصلُهم وتنقضُّ ظهورُهم وأشرفوا على الهلاك فعند ذلك بكى موسى عليه السلام ودعا ربه فكشف الله عز وجل عنهم ذلك فرجعت إليهم عقولُهم ومشاعرُهم ولم تكن صعقةُ موسى عليه السلام موتاً بل غَشْيةً لقوله تعالى فلما أفاق {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} أي ما أصابكم بنفسه أو بآثاره {ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} بتلك الصاعقة، قيدُ البعثُ به لما أنه قد يكون من الإغماء وقد يكون من النوم كما في قوله تعالى: {ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَمَ} إلخ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي نعمةَ البعث أو ما كفرتموه بما رأيتم من بأس الله تعالى.
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام} أي جعلناها بحيث تُلقي عليكم ظلَّها، وذلك أنه تعالى سخَّر لهم السحابَ يسير بسيرهم وهم في التيه يُظلهم من الشمس وينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون في ضوئه وثيابُهم لا تتسخ ولا تَبْلى {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى} أي الترنجبين والسمانى وقيل: كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعَثُ الجَنوبُ عليهم السمانى فيذبح الرجلُ منه ما يكفيه {كُلُواْ} على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل لهم: كلوا {مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم} من مستلذاته و{ما} موصولةً كانت أو موصوفةً عبارة عن المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا} كلامٌ عدَل بهم عن نهج الخطابِ السابقِ للإيذان باقتضاء جناياتِ المخاطبين للإعراض عنهم وتَعدادِ قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة معطوفٌ على مضمر قد حذف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا تلك النعمَ الجليلةَ وما ظلمونا بذلك {ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكُفران إذ لا يتخطاهم ضررُه، وتقديمُ المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارِهم على الكفر.

.تفسير الآية رقم (58):

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)}
{وَإِذْ قُلْنَا} تذكير لنعمة أخرى من جَنابه تعالى وكَفْرةٌ أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت قولِنا لآبائكم إثرَ ما أنقذناهم من التيه {ادخلوا هذه القرية} منصوبةٌ على الظرفية عند سيبويه وعلى المفعولية عند الأخفش، وهي بيتُ المقدِس وقيل: أريحا {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} أي واسعاً هنيئاً ونصبُه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين، وفيه دلالة على أن المأمورَ به الدخولُ على وجه الإقامة والسُكنى، فيؤول إلى ما في سورة الأعراف من قوله تعالى: {اسكنوا هذه القرية} {وادخلوا الباب} أي بابَ القرية على ما رُوي من أنهم دخلوا أريحاءَ في زمن موسى عليه السلام كما سيجىء في سورة المائدة أو بابَ القبة التي كانوا يصلّون إليها فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام {سُجَّدًا} أي متطامنين مُخْبتين أو ساجدين لله شكراً على إخراجهم من التيه {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مسألتُنا أو أمرُك حِطة وهي فِعلة من الحط كالجِلسة وقرئ بالنصب على الأصل بمعنى حُطَّ عنا ذنوبَنا حِطة أو على أنها مفعول قولوا أي قولوا هذه الكلمة وقيل: معناها أمرُنا حِطة أي أن نحُطَّ رحالنا في هذه القرية ونقيمَ بها {نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم} لما تفعلون من السجود والدعاء، وقرئ بالياء والتاء على البناء للمفعول، وأصلُ خطايا خطايىءُ كخضايع فعند سيبويه أُبدلت الياءُ الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأُبدلت الثانية ياء، ثم قلبت ألفاً وكانت الهمزة بين ألفين فأُبدلت ياءً وعند الخليل قُدمت الهمزة على الياء ثم فُعل بها ما ذكر {وَسَنَزِيدُ المحسنين} ثواباً جعل الامتثالَ توبةً للمسيءِ وسبباً لزيادة الثواب للمُحْسِنِ وأُخرج ذلك عن صورة الجواب إلى الوعد إيذاناً بأن المحسنَ بصدد ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وأنه يفعله لا محالة.

.تفسير الآيات (59- 60):

{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)}
{فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ} بما أُمروا به من التوبة والاستغفار بأن أعرضوا عنه وأوردوا مكانه {قَوْلاً} آخرَ مما لا خيرَ فيه. رُوي أنهم قالوا مكان حِطة حِنْطة وقيل: قالوا بالنَّبْطية حِطاً سمقاساً يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله عز وجل {غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ} نعتٌ لقولا وإنما صُرِّح به مع استحالة تحقُّق التبديلِ بلا مغايَرةٍ تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على المغايرة من كلِّ وجه {فَأَنزَلْنَا} أي عقيب ذلك {عَلَى الذين ظَلَمُواْ} بما ذكر من التبديل وإنما وُضِعَ الموصولُ موضعُ الضمير العائدِ إلى الموصول الأول للتعليل والمبالغةِ في الذم والتقريع، وللتصريح بأنهم بما فعلوا قد ظلموا أنفسَهم بتعريضها لسخط الله تعالى {رِجْزًا مّنَ السماء} أي عذاباً مقدّراً منها، والتنوينُ للتهويل والتفخيم {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب فِسقهم المستمرِّ حسبما يفيدُه الجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل، وتعليلُ إنزال الرجزِ به بعد الإشعار بتعليله بظلمهم للإيذان بأن ذلك فسقٌ وخروجٌ عن الطاعة وغلوٌّ في الظلم وأن تعذيبَهم بجميع ما ارتكبوه من القبائح لا بعدم توبتهم فقط كما يُشعِرُ به ترتيبُه على ذلك بالفاء، والرِّجْزُ في الأصل ما يُعاف عنه وكذلك الرجسُ وقرئ بالضم، وهو لغة فيه والمراد به الطاعونُ، روي أنه مات به في ساعة واحدةٍ أربعةٌ وعشرون ألفاً.
{وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ} تذكير لنعمةٍ أخرى كفروها وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطشُ الشديد، وتغييرُ الترتيب لما أشير إليه مراراً من قصد إبرازِ كلَ من الأمور المعدودة في معرِض أمرٍ مستقلَ واجبِ التذكير والتذكرِ ولو رُوعي الترتيبُ الوقوعي لفُهم أن الكلَّ أمرٌ واحد أُمر بذكره، واللام متعلقة بالفعل أي استسقى لأجل قومه {فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر} رُوي أنه كان حَجَراً طورياً مكعباً حمله معه وكان ينبُع من كل وجه منه ثلاثُ أعين تسيل كلُّ عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ألفٍ وسعةَ المعسكر اثنيْ عشَرَ ميلاً أو كان حجَراً أهبطه الله تعالى مع آدمَ عليه السلام من الجنة ووقع إلى شعيب عليه السلام فأعطاه موسى عليه السلام مع العَصا أو كان هو الحجرَ الذي فرَّ بثوبه حين وضعَه عليه ليغتسل وبرّأه الله تعالى به عما رمَوْه به من الأَدَرَة فأشار إليه جبريلُ عليه السلام أن يحمِلَه أو كان حَجَراً من الحجارة وهو الأظهر في الحجة، قيل: لم يؤمَرْ عليه السلام بضرب حجر بعينه ولكن لما قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها حَملَ حجَراً في مخلاتِه وكان يضربه بعصاه إذا نزل فيتفجَّر ويضرِبُه إذا ارتحل فييبَس فقالوا: إنْ فقَد موسى عصاه مِتْنا عطشاً، فأوحى الله تعالى إليه أن لا تقرَعِ الحجَر وكلِّمْه يُطِعْك لعلهم يعتبرون وقيل: كان الحجر من رُخام حجمُه ذِراعٌ في ذراع والعصا عشرةُ أذرُعٍ على طوله عليه السلام من آسِ الجنة ولها شُعبتان تتقدان في الظلمة {فانفجرت} عطف على مقدّر ينسحب عليه الكلام قد حُذف للدلالة على كمال سُرعة تحقُّق الانفجار كأنه حصلَ عَقيبَ الأمرِ بالضرب أي فضُرب فانفجَرَتْ {مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا} وأما تعلقُ الفاءِ بمحذوفٍ أي فإنْ ضَرَبْتَ فقد انفجرت فغيرُ حقيق بجلالة شأن النظمِ الكريم كما لا يخفى على أحد، وقرئ {عشِرة} بكسر الشين وفتحها وهما أيضاً لغتان {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} كل سبط {مَّشْرَبَهُمْ} عينُهم الخاصةُ بهم {كُلُواْ واشربوا} على إرادة القول {مِن رّزْقِ الله} هو ما رزقهم من المنّ والسلوى والماء وقيل: هو الماءُ وحده لأنه يؤكَلُ ما ينبُت به من الزروع والثمار ويأباه أن المأمورَ به أكلُ النعمة العتيدة لا ما سيطلُبونه وإضافتُه إليه تعالى مع استناد الكلِّ إليه خلقاً وملكاً إما للتشريف وإما لظهوره بغير سبب عاديّ، وإنما لم يقُلْ من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى: فقلنا إلخ إيذاناً بأن الأمرَ بالأكل والشرب لم يكن بطريق الخِطاب بل بواسطة موسى عليه السلام {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الارض} العثْيُ أشدُّ الفساد فقيل لهم: لا تتمادَوْا في الفساد حال كونكم {مُفْسِدِينَ} وقيل: إنما قيد به لأن العَثْيَ في الأصل مطلقُ التعدي وإن غلب في الفساد وقد يكون في غير الفساد كما في مقابلة الظالم المعتدي بفعله وقد يكون فيه صلاحٌ راجح كقتل الخَضِر عليه السلام للغلام وخرقِه للسفينة، ونظيرُه العيْثُ خلا أنه غالبٌ فيما يدرك حِساً.